ابن عطية الأندلسي

242

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لما تركوا الهدى وأعرضوا عنه ولازموا الضلالة وتكسبوها مع أن الهدى ممكن لهم ميسر كان ذلك كبيع وشراء ، وقد تقدم إيعاب هذا المعنى ، ولما كان العذاب تابعا للضلالة التي اشتروها وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه أدخلا في تجوز الشراء . وقوله تعالى : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ، قال جمهور المفسرين : « ما » تعجب ، وهو في حيز المخاطبين ، أي هم أهل أن تعجبوا منهم ، ومما يطول مكثهم في النار ، وفي التنزيل : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] ، و أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [ مريم : 38 ] ، وبهذا المعنى صدر أبو علي ، وقال قتادة والحسن وابن جبير والربيع : أظهر التعجب من صبرهم على النار لما عملوا عمل من وطن نفسه عليها ، وتقديره : ما أجرأهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها ، وقيل : « ما » استفهام معناه أي شيء أصبرهم على النار ، ذهب إلى ذلك معمر بن المثنى ، والأول أظهر ، ومعنى أَصْبَرَهُمْ في اللغة أمرهم بالصبر ، ومعناه أيضا جعلهم ذوي صبر ، وكلا المعنيين متجه في الآية على القول بالاستفهام ، وذهب المبرد في باب التعجب من المقتضب إلى أن هذه الآية تقرير واستفهام لا تعجب ، وأن لفظة « أصبر » بمعنى اضطر وحبس ، كما تقول أصبرت زيدا على القتل ، ومنه نهي النبي عليه السلام أن يصبر الروح ، قال : ومثله قول الشاعر : [ السريع ] قلت لها أصبرها دائبا * أمثال بسطام بن قيس قليل قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : الضبط عند المبرد بضم الهمزة وكسر الباء ، ورد عليه في ذلك كله بأنه لا يعرف في اللغة أصبر بمعنى صبر وإنما البيت أصبرها بفتح الهمزة وضم الباء ماضيه صبر ، ومنه المصبورة ، وإنما يرد قول أبي العباس على معنى اجعلها ذات صبر . وقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الآية ، المعنى ذلك الأمر أو الأمر ذلك بأن اللّه نزل الكتاب بالحق فكفروا به ، والإشارة على هذا إلى وجوب النار لهم ، ويحتمل أن يقدر فعلنا ذلك ، ويحتمل أن يقدر وجب ذلك ، ويكون الْكِتابَ جملة القرآن على هذه التقديرات : وقيل : إن الإشارة ب الْكِتابَ إلى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ البقرة : 6 ] ، أي وجبت لهم النار بما قد نزله اللّه في الكتاب من الخبر به ، والإشارة بذلك على هذا إلى اشترائهم الضلالة بالهدى ، أي ذلك بما سبق لهم في علم اللّه وورود إخباره به ، و « الحق » معناه بالواجب ، ويحتمل أن يراد بالأخبار الحق : أي الصادقة . و الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ ، قال السدي : « هم اليهود والنصارى لأن هؤلاء في شق وهؤلاء في شق » . قال القاضي أبو محمد : ويظهر أن الشقاق سميت به المشارّة والمقاتلة ونحوه ، لأن كل واحد يشق الوصل الذي بينه وبين مشاقّه ، وقيل : إن المراد ب الَّذِينَ اخْتَلَفُوا كفار العرب لقول بعضهم هو سحر ، وبعضهم هو أساطير ، وبعضهم هو مفترى ، إلى غير ذلك ، وشقاق هذه الطوائف إنما هو مع الإسلام وأهله ، و بَعِيدٍ هنا معناه من الحق والاستقامة .